الشيخ علي المشكيني

29

دروس في الأخلاق

الدرس الأوّل : في بيان ما يدلّ على صلاح القلب وفساده الدرس الأوّل : في بيان ما يدلّ على صلاح القلب وفساده وليعلم أوّلًا : أنّ المقصد الأعلى والغرض الأسمى في هذا العلم السعي في إصلاح القلب وإكماله ، وتطهيره وتزكيته عن ذَمائم الصفات ، وتزيينه وتحليته لفضائل السجايا وفَواضل المَلَكات ، ليستعدّ على الاستفاضة من إنارة الألطاف الرحمانيّة ، وإفاضة المعارف الإلهيّة من حضرة ذي الجلال . فبالقلب شرف الإنسان ، وبه أفضليّته على كثيرٍ من الخلق ، وبه ينال معرفة ربّه التي هي في الدنيا شرفه وجماله ، وفي الآخرة مقامه وكماله . فالقلب هو العالم باللَّه ، والعامل للَّه ، والساعي إلى اللَّه ، والمتقرّب إلى جوار اللَّه ؛ والجوارحُ أتباع وخدم يستعملها استعمالَ المَلِك للعبيد ، والصانع للآلة . والقلب هو المقبول عنداللَّه إذا سَلُمَ من الآفات ، والمحجوب عن اللَّه تعالى إذا استغرق في الشهوات ؛ وهو الذي يُفلح الإنسان إذا زكّاه ، ويخيب ويشقى إذا دسّاه ؛ وهو المطيع للَّه‌على الحقيقة ، والمشرق على الجوارح أنواره ؛ وهو العاصي في الواقع ، والظاهر على الأعضاء آثاره ، وباستنارته وظلمته تظهر محاسن الظاهر ومَساويه ؛ إذ كلّ إناءٍ يترشّح بما فيه . وهو الذي إذا عرفه الإنسانُ فقد عرف نفسَه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربّه ؛ وإذا جهله جهل نفسَه ، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربّه . وهو الذي جهله أكثرُ الناس ، وغفلوا عن عرفانه ، وحيل بينهم وبينه بمعاصيهم ، والحائل هو اللَّه ؛ فإنّه يحول بين المرء وقلبه ، ويُنسي الإنسانَ نفسه ويضلّه ولا يهديه ، ولا